السيد محمد حسين فضل الله

26

من وحي القرآن

الخوف في متاهات الضياع . وهذا ما يجعل الظلمة القابعة في داخلهم تنتقل معهم إلى ساحة القيامة ، فيتحركون في حالة عجيبة من التخبط والحيرة ، ولا سيما عندما يرون المؤمنين والمؤمنات في بحار النور التي يسبحون فيها فيقولون لِلَّذِينَ آمَنُوا في عملية ذلّ واستجداء : انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ أي أمهلونا حتى نأخذ شيئا من هذا النور الذي يسعى بين أيديكم وبأيمانكم ، ليضيء لنا الظلمة التي نتخبط فيها ، فنلحق بكم ونكون معكم لنصل إلى الأجواء المشرقة التي تصلون إليها . ولكن المؤمنين والمؤمنات يتابعون سيرهم ، فلا يتوقفون أمام هذا الترجي والاستعطاف ، لأن المسألة ليست مسألة حالة ذاتية يتحركون فيها من خلال المشاعر الخاصة في رد الفعل تجاه حديث هؤلاء ، بل هي مسألة التعليمات الإلهية في ما يفعلون ويتركون ، أو في ما يستجيبون له أو لا يستجيبون ، مع ملاحظة أن مسألة النور في الآخرة ليست قضية شيء يملكه الإنسان ليملك حرية التصرف فيه ليمنحه لهذا أو ذاك ، بل هي قضية عمق الروح في ذاته مما يجعله مرتبطا بالذات من خلال خصوصياته الذاتية التي لا تنتقل إلى الآخرين . قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً من هو القائل ؟ هل هم الملائكة أو هم المؤمنون والمؤمنات ، أو هم أناس من أصحاب الأعراف ؟ إن الآية لا تدل على شيء من ذلك ، بل هي انطلقت في أسلوب تجهيل الفاعل ، لأن المقصود هو إثارة الفكرة التي تضعهم وجها لوجه أمام الحقيقة الصارخة ، فليس في الأمر نور يواجهونه ، بل لا بد لهم من أن يبحثوا وراءهم ليلتمسوا النور هناك ، لو كان هناك شيء من النور . ولكن أين هي منطقة الوراء ؟ هل هي الدنيا التي تركوها ، والتي يستمدون منها النور من الإيمان والعمل الصالح ، وإذا كانت الدنيا هي « الوراء » فكيف يرجعون إليها ولا مجال هناك لرجوع ، فيكون التعبير